الحلقة الاخيرة من مذكرات العميد جورج نادر.. انهم المجوقلون الأشدّاء

للأمانة، لا بدّ لي من شكر بلدتي القبيات التي أحبّها حتى العظم، هذه البلدة الرائعة التي وقفت واحدة رافضة التعرّض للجيش ولي شخصياً، وحمل شبّانها السلاح وأتوا الى منزلي: ” اللي بدّو يجي لهون منجعل ألله ما خلقو”.

مع تقديري العميق لهذه العاطفة الصادقة، لا يمكن لي، وأنا الضابط في الجيش أن اقبل بأن يحرس منزلي شبّان قريتي الأوفياء، فالجيش هو المسؤول عن سلامتي الشخصية، لذلك أوكلت حراسة المنزل إلى حضيرة من الفوج، كون التهديدات التي كانت تصل:
“بدنا، نقتلو ونحرقلو بيتو”، ومنزلي: فرداوي ” ويقع على تلّة سهل الوصول إليها حتى أنه يمكن ضربه بصاروخ من الأراضي السورية نظراً لقربه من الحدود الشمالية.

كذلك أشكر كل ابناء عكار الشرفاء وهم كثر، على وقفتهم التضامنية، ومنهم من بلدة البيرة المجاورة التي حافظت دائماً على حسن الجوار في عزّ الحرب الطائفية 1975- 1976 ـ لذلك كنت، مع الأخذ بعين الإعتبار التهديدات التي تصلني، مطمئنّاً على أن المهدّدين بالويل والثبور، لا أفق لهم ولا مستقبل ولا حاضنة في عكار، ولو كان البعض منهم عكاريون.

ثلاثة اشهر ونصف أوقف خلالها ضباط وعسكريي الفوج، أخذت عهداً على نفسي بألا “أسهر أو أنعزم أو أعزم أو أحضر حفلات.. الا بعد ما يطلعو الشباب من الحبس” مع أنه خلال هذه المدّة تزوّج ضابطان من الفوج، حيث كان العرس مقرّراً مسبقاً، ولم أحضر (بخلاف العادة لأنني في عرس اي ضابط من الفوج، كنت أحضر رتبة الإكليل وحفل العرس ). كأنني بهذه الطريقة أسجّل موقفاً لا أستطيع أن أعبّر عنه إلا بهذه الطريقة.

المحزن في القصّة ليس التوقيف بحدّ ذاته، بل إخلاء السبيل ثم إعادة التوقيف. فبعد شهرين من توقيف الضباط والجنود، أصدر قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا قراراً بإخلاء سبيل الموقوفين بإنتظار مثولهم امام المحكمة العسكرية، فقامت الدنيا ولم تقعد، إذ بتحريض من “نواب” التحريض والمذهبية والحقد، عمّت الإحتجاجات وقطع الطرقات مختلف مناطق الشمال وخصوصاً طرابلس وعكّار، وتحت ضغط الشارع، وتدخّل المسؤولين الحكوميين وأعاد القاضي توقيفهم.

يا لهذا القضاء.. يخضع للضغوط السياسية ويتخذ قراراته على وقع الشارع وليس تلبية للضمير المهني والقانون والعدالة، عرفت لاحقاً أن أرفع مسؤول في السلطة إتصل بالقاضي وقال له:
“شو هالقاضي اللي ما بيدرس الشارع قبل ما ياخد قرارو”

وهل على القاضي أن يستلهم ردّات فعل خالد الضاهر ومعين المرعبي ليتّخذ قراراً قضائياً، أم أن عليه تطبيق القانون والإصغاء فقط لصوت الضمير؟

أحد العسكريين الموقوفين هو العريف محمود السبسبي من بلدة ببنين العكارية، بلدة الشهداء، زوجته مريضة بداء السرطان وهي بحاجة للعلاج كل أسبوع وأحياناً عدة مرات في الأسبوع الواحد، عبثاً حاولت مع قاضي التحقيق لتسهيل خروجه وتدبير أمر زوجته ثم إعادته الى السجن، الجواب: موقوف.

أرسلت سيارة الإسعاف التابعة للفوج مع ممرّض محترف إلى بلدتها ببنين لنقلها غلى المستشفى بالرغم من تحذير البعض:
“كيف بتودي ال Ambulance تبع المجوقل ع ببنين مش عارف الوضع هونيك؟”
“ببنين ضيعة الشهدا، وفيها 12 شهيد بمعركة نهر البارد بس، والعسكري موقوف ما بيقدر ياخد مرتو، أنا المسؤول عنها وبدي أمّنلا العلاج”

كانت سيارة الإسعاف “المجوقلة” تذهب الى ببنين، قرية المحرّض خالد الضاهر، لنقل زوجة العريف السبسبي من منزلها الى المستشفى وبالعكس، وذلك لمرّات عدة، وفي كل مرة “ما حدا رشقها بوردي” فهذه ببنين العكارية “العسكرية “.

بعد ثلاثة اشهر ونصف، خرج الضباط والجنود من السجن، وخرجت أنا من “سجني الطوعي” الثكنة والمنزل، وطيلة مدة التوقيف لم تتوقف التعدّيات على عناصر الفوج التي كانت تحسب بشكل شبه يومي، وجلّ المعتدى عليهم من ابناء عكار: تحطيم زجاج سيارة عسكري، أطلاق النار فوق رأس أحد العسكريين، محاولة دهس، مطاردة سيارة عسكري وإطلاق النار بإتجاه السيارة.. الى ما هناك من حوادث دلّت على جسامة ما نتج عن التحريض السياسي والمذهبي ضد الجيش والفوج بالتحديد، لذلك قررت قيادة الجيش إستبدال سرية “المجوقل” المتمركزة في عندقت ورحبة، بسرية من فوج المغاوير، كذلك إستبدال سرية المغاوير المتمكزة في بلدة “بشوات” البقاعية بسرية من الفوج المجوقل.

عرفت لاحقاً أن الحادثة بحدّ ذاتها كانت فخّاً نُصب لي شخصياً:
بتاريخ وقوع الحادثة صباحاً، إتصل المرحوم الشيخ أحمد عبد الواحد بأحد ضباط المخابرات الذي أتحفّظ عن ذكر إسمه، تاركاً ذلك للظروف:
“بدي روح ع الإحتفال بحلبا”
“روح ما في شي”
“بس في حاجز للمجوقل بالكويخات كيف بدي اقطع ومعي سلاح؟”
“ما حدا بيتعاطى معك”

ما حدا بيتعاطى معو، كيف يكون ذلك ومديرية العمليات شدّدت على منع دخول السلاح إلى مكان الإحتفال، حتى السكين الصغير؟ وهل يتهاون الجيش والمجوقل خصوصاً بموضوع كهذا؟ أولم يدرك هذا الضابط حجم المخاطر التي تسبّب بها عندما “سمح” للشيخ المرحوم بالمرور “وما حدا بيتعاطى معو ولو معو سلاح؟؟” أم أنه لغاية في نفس يعقوب “نصب هذا الفخّ، فراح ضحيته الشيخ أحمد عبد الواحد ومرافقه محمد مرعب؟

بعد خروج الموقوفين بأسابيع معدودة، إغتيل العميد “وسام الحسن” رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ونتيجة فورية لعملية الإغتيال، عمّت التعدّيات على العسكريين مناطق طرابلس وعكار وقطع الطرقات والظهور المسلّح، حتى أن قراراً إتخذ بعدم تجول العسكريين باللباس العسكري في تلك المناطق تحسّباً لردّات الفعل.

بالطبع، إن الذي رفض “التمنّي” في المدرسة الحربية بعدم إرتداء البزّة العسكرية خارج الثكنة، لن يرضى بعد خدمة أكثر من 32 سنة، أن يعاد هذا “التمنّي” ولو على حساب حياته، فأصدرت امراً للعسكريين:
“بدلتك شرفك، واللي بيخاف يلبس بدلتو يشلحا هلّق ويفلّ، واللي بيستحي فيها مش خرج يكون بيناتنا.”

من مخازن الفوج، سلّمت مسدّسات للعسكريين الذين كانوا موقوفين ولغيرهم “اللي راسن كبير” وأدركوا تماماً فحوى الأوامر: “اللي بيدقّ فيك ب……. كرامة المجوقل أغلى من كل العالم.”

أحد الأصدقاء من طرابلس السيد “محمّد حرفوش” إتصل بي:
“دخيلك يا سيدنا، ما بقا تخلّي الشباب يلبسو عسكري، شايف قدّامي أربع شباب من المجوقل ببدلاتن واقفين بساحة التلّ ( طرابلس ) وكل العسكر من كل الأفواج والألويي لابسين مدني، وعم شوف الزعران المسلّحين عم يتطلعو بجماعتك بالورب… بلكي عملولن شي؟

“ألله يطعمن ويدقّو بعسكري من الفوج..المجوقل ألو الشرف يلبس بدلتو واللي مش عاجبو يسترجي يدقّ راسو بالحيط..”

هكذا المجوقلون الأشدّاء، وحيدون بلباسهم المرقّط المميّز والبيريه البنية، يختالون غير هيّابين بالخطر، يتحدّون البنادق المأجورة والنفوس الرخيصة، هكذا كانوا وسيبقون، لأنهم وضعوا الكرامة والعنفوان من تراب ثكنتهم ومن ذكرى رفاقهم الشهداء، وعاشوا عزّة النفس والشجاعة والإلتزام الوطني والمناقبية العسكرية.

 

ليبانون ديبايت

2016 – حزيران – 03

اترك رد