ليبانون ديبايت – الحلقة التاسعة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

ليبانون ديبايت – الحلقة التاسعة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

لجنة التحقيق في مركز سرية الدعم التابعة للفوج المجوقل في بلدة عندقت، تحقّق مع العسكريين الذين أطلقوا النرا وبالطبع مع ضباط السرية، إتصل بي العميد الركن لبيب بو عرم إبن دورتي:

“جورج، بدّنا الملازم محفوظ ت نحقّق معو..”
“الملازم محفوظ بمركز رحبة، والطريق لعندك مش آمني، فيكن تبعتو حدا يحقّق معو هونيك ؟ ”
“طيب أحكي مع القاضي صقر..”
“طلب لقاضي صقر صقر مني على الهاتف:
” بدّنا الملازم محفوظ يا عميد ؟”
” يا ريّس، الملازم محفوظ بمركز رحبة وطريقو لعندك مش آمني في خطر ع حياتو والمسلّحين متلايين الطرقات… فيكن تبعتو حدا يحقّق معو؟”
” لا ما ببعت حدا بدي ياه هلق”
“مستحيل يجي لعندك هلق يا ريّس، بكون عم بقتلو…”
” قلتلك هلق، أنا القاضي صقر عم بحكي..”
“وقلتلّك ما بدي أبعتو وأنا العميد نادر عم بحكي..” واقفلت الخط، وأخبرني الحضور لاحقاً أنه إستشاط غضباً، وقد عرفت من لهجته أنه سيوقف الضباط والعسكريين، أو هذا طُلب منه أن يكونوا “كبش محرقة” فداء الهجمة السياسية على الجيش.

أصدر القاضي صقر، وتحت ضغط السياسيين والشارع الذي يحرّكونه، مذكرة توقيب بحقّ ضباط السرية الثلاث، و19 عسكرياً أطلقوا النار، إذ أن منهم من أطلق النار إنذاراً في الهواء، ومنهم من أطلق النار على الإطارارت ومنهم بعد إصابة رفيقهم، من أطلق على السيارة فأصاب الشيخ ومرافقه.

عرفت لاحقاً حجم الضغط السياسي الذي تعرّض له قائد الجيش ومفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وقاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا الذي اصدر مذكرة وجاهية بتوقيف العسكريين الذين وللأسف، واكبتهم الشرطة العسكرية من عندقت عن طريق البقاع، الهرمل، بعلبك، زحلة، بيروت، تحاشياً للمرور في عكار… وهل أصبحت عكار خزان الجيش وحاضنته، بفضل بعض النواب الموتورين، عصيّة على جيشها الذي تُحب ولم تبخل عليه يوماً بشبابها الأشدّاء؟

فليعرف المحرّضون والشتّامون والطائفيون الهامشيون، أن منطقة عكار، نبع العسكر، لا يمكن أخذها إلى مكان آخر، فهي بيئة الجيش الحاضنة في كل مكان وزمان ومهما كانت الظروف، وجيشها يبادلها العاطفة والولاء.

قابلت الموقوفين في سجن الشرطة العسكرية. إفادات الضباط والعسكريين واحدة: هكذا خاطب النقيب علي أحمد الشيخ وهكذا حصل.

كنت أنفرد بمكتبي أفكّر وأحلّل ما حدث، وأدركت أنني وحيد في هذه العاصفة، يهاجمني “نواب ” لا عمل لهم إلا التحريض على الجيش، وحيداً كنت، نعم، لكن للأمانة والتاريخ فالعماد ميشال عون وقف بجرأة مع الجيش الذي يتعرّض لحملات التحريض، ثم نظّم التيار الوطني الحر تظاهرة تطالب بإطلاق سراح الموقوفين.

كنت بشكل شبه يومي أذهب الى سجن الشرطة العسكرية في الريحانية أقابل الموقوفين: ثلاثة ضباط و19 رتيب وفرد منهم ثلاثة من عكار، وللدلالة على كذب الأقاويل والإدعاءآت التحريضية وإختلاق الروايات فإن من بين الموقوفين أحد عشر عسكرياً من ابناء الطائفة السنية ومن عكار بالتحديد، ف “يروحو يخيّطو بغير هالمسلّي”.

وحدة الجيش ومناقبيته فوق كل إعتبار، والهجوم السياسي والإعلامي على الجيش، وخصوصاً في تلك المرحلة، لا يخدم إلا أعداء الأمة والمنظّمات الإرهابية.

إتصل بي السيد “نادر الحريري” رئيس مكتب الرئيس “سعد الحريري”، وليس هناك من معرفة سابقة بيننا حتى اليوم:
“جنرال نحنا منحترمك ومنعرف كيف صارت الحادثي..”
“بس يأ أستاذ نادر كيف منصرف هالإحترام ؟ نواب عكار حرّضوا الناس ع الفوج وعليي أنا شخصياً، وإنهدر دمي وصار التجوّل بعكار منطقتي.. خطر عليي..”
“معك حق، بدنا نتعاون نحنا وياك ع هالناس، طول بالك..”
“ع كل حال ممنون ع إتصالك..” عدة مصادر حذّرتني من الذهاب إلى بلدتي حفاظاً على حياتي، وقائد الجيش حّذرني مرّات عدّة:
“لا بقا تطلع ع القبيات بهالوضع..”

سيدنا ما بيسوا ما أطلع ع ضيعتي كرمال كرامتي وكرامة الجيش، ومش لازم نخاف من حدا.”

“قلتلك ما تطلع، يعني ما تطلع..”

أعترف أنني خالفت الأوامر، بل” صرت بالنكايي اطلع كل جمعا ع الضيعا..” وكانت التهديدات تصلني بإستمرار:
” بدن يقتلوك ع الطريق..”
عاملينلك كمين بحلبا..”

إلى ما هنالك من إشاعات واقاويل، صدّقت بعضها، لكنني لم أرفض يوماً التحدّي، سأذهب إلى قريتي ولو كنت سأقتل على الطريق، ليس إلتزاماً بضيعتي التي أعشق ترابها وحسب، بل حفاظاً على كرامة الجيش الذي يجب أن لا يكون على الأرض اللبنانية بقعة يُحظّر عليه الدخول إليها فكرامة الجيش ترخص لها التضحيات.

ليبانون ديبايت

2016 – أيار – 31

اترك رد