ليبانون ديبايت – الحلقة السادسة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

ليبانون ديبايت – الحلقة السادسة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

للأسف، لم ينجُ لبنان من العاصفة التي ضربت العالم العربي وخاصّة سوريا، الدولة التي يتقاسم معها حوالي 375 كلم من الحدود المشتركة في الشمال والشرق ( البقاع )، بالإضافة إلى العلاقات التجارية والتداخل الإجتماعي والثقافي بين الشعبين على الحدود، فإنقسم اللبنانيون بين مؤيّد للمعارضة السورية المسلّحة وداعم لها وبين مؤيّد للنظام وداعم له بالقدر ذاته.

تحضرني “خبرية ” تشبه النكتة التي تُبكي:

في أثناء الإجنياح الإسرائيلي للبنان، في حزيران من العام 1982، وبعد إستشهاد إثنين من العسكريين على مدخل وزارة الدفاع، لاحظ أحد الرتباء “العتاق” رفاقه الغاضبين المعترضين على غطرسة العدو الإسرائيلي، لكن بدون جدوى، ولكي يهدّىء من روعهم قال لهم: “شو بكن زعلانين، لبنان كل عمرو محكوم من والي الشام أو من والي عكّا وهلق دور والي عكّا”.

للأسف، ولو أتى كلام هذا الرتيب “العتيق” جارحاً ومهيناً، لكنّه كان على حقّ. فنحن اليوم بحاجة إلى والِ لننتخب رئيساً للجمهورية مثلاً، وقد مرّت سنتان، ولم يحضر الوالي ليساعدنا على الإنتخاب.

نعم، لم ينجُ لبنان من العاصفة السورية، ولم يحاول النجاة حتى، فالحدود الشمالية مع سوريا “مفتوحة” للتدخّل بالإتجاهين، والمقاتلون “السلفيون” يعبرون الحدود للقتال إلى جانب المعارضة التي كانت تعتمد بشكل كبير على الدعم اللوجستي والعملاني من مناطق الشمال اللبناني، لكن هل إقتصر “التأييد والدعم” على هؤلاء؟ بالطبع لا، فالشحن المذهبي دفع بحزب الله إلى التدخّل في سوريا بدءاً من الدفاع عن الأماكن المقدّسة ثم بمدينة “القصير” ثم بالإنخراط في القتال على كامل الجغرافيا السورية، جنباً إلى جنب مع قوات النظام وقوات الحرس الثوري الإيراني وبعض الميليشيات العراقية، ومؤخّرا سلاح الجو الروسي.

كما تورّط الداعمون للمعارضة السورية بنقل السلاح والذخائر والمال وكل اشكال الدعم المادي والمعنوي للمعارضة السورية مع مقاتلين متشدّدين من جنسيات مختلفة بلغت أعدادهم عشرات الآلاف.

النتيجة: فريقان لبنانيان يتقاتلان على الأرض السورية ولبنان يستقبل يومياً نعوش المقاتلين من الطرفين.. فلأي والِ نتبع في هذه الأيام؟

نتيجة للحرب السورية، ولإنخراط بعض اللبنانيين فيها بشكل مباشر، كانت وتيرة المعارك تشتدّ بين فريقي النزاع في طرابلس على وقع الحرب السورية، وكان يُطلب دائماً من الفوج، في كلّ مرة تخرج المعارك عن ضوابطها، أن يتدخّل لإعادة فرض الأمن في المدينة الجريح.

المعركة الأشدّ كانت في ايار العام 2012:
تلقيت الأمر من مديرية العمليات بالإنتقال الفوري إلى طرابلس والفصل بين المتقاتلين وذلك بكامل قوى الفوج (ينقص سرية متمركزة في منطقة عكار بين رحبة وعندقت) وذلك بالتنسيق مع فوج التدخّل الرابع المنتشر أصلاً في البقعة. الأمر عند العصر، وحشد السرايا وإستدعاء المأذونين وإحضار حاملات الملالات وتوضيب ونقل الذخيرة والعتاد يتطلّب ما لا يقلّ عن 6 إلى 8 ساعات، لكنّ الأوامر واضحة: الفوج سيحسم اليوم ولو كان ذلك خلال الليل لأن الضحايا والجرحى يزداد عددهم كل ساعة، والأمور بدأت بالخروج عن السيطرة. وهكذا كان.

بسرعة قياسية تم الإنتشار في جبل محسن أولاً من ناحية الشرق، وتمّ توقيف بعض المخالفين، وقبل الإنتشار في باب التبّانة تعرّضت وحدات الفوج إلى إطلاق نار من جهة “حي المنكوبين” و باب التبّانة.

الردّ كان موضعياً ومحترفاً القنّاصون بسلاحهم مع المناظير الليلية أسكتوا النيران في موضعها بدقّة وفعالية.

هدأت “الجبهة” وأدرك المسلّحون من الطرفين “أنّو المجوقل ما في مزح معو” وشعرت بنظرات المواطنين إلى عسكريي الفوج: الإحترام.. والرهبة.

الرهبة من ردّات الفعل المحترفة للعسكريين ومن منظرهم بعتادهم وسلاحهم وهندامهم المميّز، والإحترام لفوج لا يميّز بين مواطن وآخر على اساس الإنتماء المذهبي أو السياسي، ولا يميل لهذا أو ذاك، بل يضرب بحزم وقوّة كل معتدِ على الأمن الوطني أياًّ يكن.

أكثر من اسبوع، وعسكريو الفوج منتشرون في الشوارع، يبيتون في الملالات وينفّذون فرض الأمن بالقوة في منطقة أريد لها أن تكون ساحة صراع سورية على الأرض اللبنانية، كنت أتعجّب من الشعارات والملصقات التي تُرفع على الجدران وفي الساحات العامة والشوارع والأبنية: في جبل محسن صور الرئيس السوري بشار الأسد وعبارات التأييد، وفي باب التبّانة صور “زعماء طرابلس” والشعارات المؤيدة للمعارضة السورية. ها نحن مجدّداً أبناء الوطن الواحد والمدينة الواحدة وحتى الحي الواحد نتقاتل ونهدر دماء بعضنا البعض خدمة لأطراف النزاع في سوريا ؟

نعم، إنها وللأسف، الحرب السورية على الأرض اللبنانية.

في خضمّ هذه الأحداث، قرّر الحزب السوري القومي الإجتماعي إقامة إحتفال في حلبا، مركز قضاء عكار، لإحياءً لذكرى الضحايا من الحرب الذين سقطوا في 7 ايار 1998، وذلك في 20 ايار 2012 الساعة 11 قبل الظهر. وقرّر النائب خالد الضاهر إقامة إحتفال في المكان ذاته والتاريخ والتوقيت عينهما، ولم تفلح الإتصالات من المراجع الأمنية ولا حتى من الرئيس سعد الحريري لثنيه عن إقامة الإحتفال في المكان ذاته ورفض حتى تقديم أو تأخير التاريخ أو التوقيت.

كيف يكون ذلك ؟ طرفان مسلّحان يحييان ذكرى إقتتالهما في نفس المكان بالتاريخ والتوقيت ذاته؟ ماذا ستكون النتيجة؟

عند إصرار النائب الضاهر على إقامة إحتفاله في المكان والتاريخ والتوقيت عينه الذي يقيم فيه الحزب القومي إحتفاله، إستنفرت قيادة الجيش لواء المشاة الثاني المنتشر في المنطقة وحٌشد حوالي 500 عنصر من قوى الأمن الداخلي إنتشروا للفصل بين الإحتفالين المقرّرين..

إتصل بي مدير العمليات العميد الركن مارون حتي:
“خلّي سرية عكار بتصرّف اللواء الثاني وشوف سمير الحاج شو بدّو “العميد الركن سمير الحاج” قائد اللواء الثاني ( حالياً يشغل وظيفة المفتّش العام في المجلس العسكري وهو برتبة لواء).

إتصلت بالعميد الحاج:
“سمير، شو بدّك من السريي بعكّار كرمال بكرا ؟”
“بدّي تعملي حاجز ع الكويخات وتحميلي ضهري من جماعة عبد الواحد…”
أي على السرية من الفوج المجوقل التي تتمركز في ثكنة عندقت أن تقيم حاجزاً في بلدة الكويخات، شمال حلبا وتمنع دخول المسلّحين من الطرفين، وخصوصاً الذين يقودهم الشيخ أحمد عبد الواحد من أنصار النائب خالد الضاهر.

ليبانون ديبايت

2016 – أيار – 20

اترك رد