ليبانون ديبايت – الحلقة الخامسة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

ليبانون ديبايت – الحلقة الخامسة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر


لم تتوقّف حركة دعم الجيش عند الدعم المادي، بل تعدّاه إلى “كودرة” الإندفاعة الشبابية والوطنية بإتجاه الجيش، فأنشأت جمعية “أنصار الوطن” وجمعية “شباب لبنان نحو المواطنية” وجمعيات أخرى هدفت جميعها إلى تشكيل خلفية صلبة لدعم الجيش على كامل مساحة الوطن، ففي كل مناسبة أو مفترق مصيري أو أي معركة يخوضها الجيش كانت هذه الجمعيات متحفّزة دوماً للوقوف إلى جانب جيشها قولاً وفعلاً، في معركة عرسال الأولى شباط 2013، ثم في آب 2014، حضر شباب جمعية أنصار الوطن إلى الثكنة لابسين الهندام العسكري الخاص بالفوج، واضعين أنفسهم بتصرف الفوج ….

بدا واضحاً في قراءة المشهد الإجتماعي السياسي اللبناني ، بأن الجيش إستقطب الرأي العام الشبابي خصوصاً في الأوساط الطلابية والأكاديمية، كانت مواقع التواصل الإجتماعي تشتعل غضباً في كلّ مرة يعمد أحد السياسيين إلى مهاجمة إداء الجيش أو قائده، وكانت الإتصالات الهاتفية تنهال على ثكنة الفوج عند سماع خبر استشهاد أو جرح أحد عناصر الفوج للإستفسار والشجب ولإستنكار.

شعرت بأن هذه الحال الشعبية العارمة الداعمة للجيش، هي القوّة الأفضل التي يركن الجيش إلى وجودها، ولكن عليه تنظيمها وإستثمارها وتطويرها ، فإقترحت على قائد الجيش إنشاء هيئة مستقلّة تعنى بتنظيم الدعم الشعبي للجيش وكودرته وتوجيهه للإستفادة منه إلى الحدّ الأقصى . فالجيش اضحى في نظر شعبه “الحزب غير الطائفي وغير الفاسد” و “الميليشيا” التي تحميه، كونه جرّب الأحزاب وميليشيات الطوائف فدمّرت نسيجه الإجتماعي وإنخرط في الأحزاب، فإكتشف أنها بأغلبيتها جماعات طائفية ومذهبية يتزعمها “شيخ القبيلة” الذي يورث “الجماهير” إلى نسله ، كما يورث أمواله المنقولة وغير المنقولة إلى أولاده.

في العام 2009 جرت الإنتخابات النيابية بخلاف الدورات السابقة التي كانت تتمّ على ثلاث أو أربع دفعات، على دفعة واحدة في كل الدوائر ، وفي كل المناطق اللبنانية ، وذلك بفضل التخطيط الجيّد والإدارة الناجحة لمديرية العمليات في الجيش والتي إستثمرت للحدّ الأقصى طاقات وقدرات الجيش . جرت الإنتخابات “دون ضربة كفّ” حيث أن الدورات السابقة كانت تحصل غالباً مع حوادث إعتداء وتزوير وأحياناً كثيرة : قتل وجرح عدد من المواطنين. الإجراءآت الإحترازية التي إتخذتها وحدات الجيش ، قبل وفي اثناء العملية الإنتخابية، جعلت الإقتراع يتمّ بهدوء وسلام.

في ذلك العام أيضاً، كانت حركة لبنان الرسالة تعمل لإجراء مصالحات بين القوى التي قاتل بعضها البعض في المجتمع المسيحي، وقد أخبرني الصديق العميد خليل الحلو أنه ينشط في هذا المجال. سألني السيد نعمت أفرام:

” عندك مشكل أنو تجتمع مع ريمون ناضر ..؟” ريمون ناضر كان أحد القادة الميدانيين في ميليشيا القوات اللبنانية خلال معاركها مع الجيش اللبناني ، وتحديداً في معركة أدما .. ، أجبت دون تحفّظ:

” لا أبداً ..” ، تعجّب السيد افرام من الجواب السريع بالموافقة فقال :
” أكيد أنت ..؟”
” إي أكيد وساعة البدّك …
في مقهى ” APPLE BEES ” الضبيه، كان كل من: العميد الطبيب خليل الحلو، السيد نعمت أفرام والمهندس ريمون ناضر، عند دخولي، قام ريمون فاتحاً ذراعيه وعانقني مبدياً أسفه على كل الذي مرّ من مآسِ وويلات خلفتها المعارك التي دارت بين الجيش والقوات ، ومن تلك الساعة ” قلبت الصفحة ” ومن الأساس لم يكن في قلبي حقد ولا ضغينة، فأنا عسكري حتى العظم، نفّذت أوامر قيادتي في كل الأوقات وأياً من تكن تلك القيادة، وليس للعسكري مناقشة أوامر رؤسائه، بل عليه تنفيذها.

كذلك السيد حنّا العتيق، وهو الذي كان قائد وحدات الصدم في القوات وقد قاتل الجيش بشراسة في تلك الحروب، زارني في مكتبي في قيادة الفوج المجوقل في غوسطا، ومنذ ذلك الحين، نحن على علاقة صداقة وإحترام كما هي الحال مع المهندس ريمون ناضر، فالحقد لا يدوم، ولا يجب توريث الضغائن للأولاد والأحفاد، لإن الحقد يدمّر صاحبه، والمحبّة غلبت الموت ..

لكن في ذلك العام وفي الأعوام التي تلت لم تتوقّف حملات التحريض المذهبي والطائفي، فكانت المعارك المتنقّلة في طرابلس بين باب التبّانة وجبل محسن، وسعدنايل وتعلبايا، تودي بحياة المدنيين وأكثرهم من الأبرياء العزّل، وكانت وحدات الجيش “تدفع” نصيبها من الشهداء والجرحى في كلّ مرّة يتقاتل فيها الفريقان، “فالمصلح ألو تلتين القتلي” اي أن الجيش الذي يتدخّل للفصل بين المتحاربين، يتعرّض من قبل الفريقين للإعتداء على مراكزه وآلياته وعتاده، فقدره دوماً ضريبة الدم جرّاء الإستثمار السياسي للعصبيات الدينية والمذهبية وإستغلالها .

في مرّات عدّة كان يُطلب إلى الفوج التدخّل بقوام سرية أو أكثر لدعم اللواء / الفوج المنتشر في طرابلس والفصل بين المتقاتلين ، كانت السرايا تنفّذ ما يطلب منها بكل حرفية وتجرّد وإندفاع، فلا مهادنة مع المسلّحين ولا ” تطنيش ” عن هذا أو ذاك، وكانت النتيجة دائماً: فرض الأمن بالقوّة دون خسائر في صفوف العسكريين وهذا دليل الإحتراف والمعرفة العسكرية والخبرة القتالية التي إكتسبها عسكريو الفوج والمناقبية التي يتمتّعون بها، لا مسايرة لأحد حتى لو كان أقرب الناس إلينا ، هكذا تصرّف المجوقلون دائماً ، فإستحقّوا شرف إحترام قيادتهم لهم وتقديرها ،ونالوا محبّة مواطنيهم والسمعة الحسنة، وهذا بحدّ ذاته وسام على بيرق الفوج .

أذكر في 16 حزيران من العام 2010 أن معركة عنيفة حصلت بين الفريقين المتقاتلين في طرابلس ولم يتمكّن الفوج المنتشر في البقعة من السيطرة على نيران المسلّحين فسقط له شهداء وجرحى كذلك كانت الإصابات كثيرة في صفوف المدنيين العزّل، فطلب إلى الفوج التدخّل لحسم الأمر، وقد تمّت العملية صباح 18 حزيران خلال أقل من ساعتين . تجوّلت في شارع سوريا الفاصل بين المنطقتين، وكنت في السابق أعرف المنطقة لكنني فوجئت بأنه في الشارع ذاته تتداخل البنايات التي يقطنها مواطنون من الفريقين حتى في البناية ذاتها وفي الطابق ذاته ….

” ع شو عم تقوّصوا ع بعضكن وريحة المجارير ع مناخيركن تنيناتكن، والفقر ببيوتكن كلكن وقاعدين بفرد بنايي وفرد طابق ؟”
قلتها للمواطنين الذين تجمّعوا بعد هدوء “الجبهة” . كيف يمكن لمواطنين متجاورين في المبنى ذاته أن يتقاتلوا فيما بينهم لمجرّد الإنتماء المذهبي؟ وباي ضمير يحرّض المسؤولون السياسيون هؤلاء الناس على بعضهم البعض فيما هم جيران واقارب ولا يفصل بينهم إلا حائط المنزل؟ يتشاركون الفقر وإهمال السلطة والهم المعيشي ذاته؟ لاحظت عائلات تشرّدت ولا مكان تأوي إليه بسبب فقر ربّ العائلة، فهو” مياوم وإذا ما أشتغل كل يوم ما بياكل هوي وعيلتو”، وأغلب سكان المنطقة “بيقبضو يوميي أو جمعيي ( اي كل اسبوع) ” وعند تفلّت الأمن، يجوع الأولاد وتتشرّد العائلة “كرمال هالنايب أو هالزعيم ” …..

قي بداية العام 2011 ، بدأت المظاهرات والإحتجاجات في سوريا مماثلة لما حصل في الدول العربية كتونس ومصر وليبيا، ثم تطوّرت إلى أعمال عنف، فتسلّح للمعارضة السورية، فمعارك دامية إستجلبت المقاتلين المتشدّدين من اغلب دول العالم، والجيوش الأجنبية حتى لكأن ما يحصل هو حرب عالمية على الأرض السورية ، حرب دمّرت البنية التحتية والإقتصاد السوري والنسيج الإجتماعي في هذا البلد .

الحرب السورية الكارثية التي لا زالت رحاها تدور في المناطق السورية كافة إلى اليوم، وهي مرشحة للتفاقم والإستمرار في غياب أي أفق للحل السياسي، هل نجا لبنان من آثار العاصفة السورية ؟؟

ليبانون ديبايت

2016 – أيار – 17

اترك رد