ليبانون ديبايت – الحلقة الرابعة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

ليبانون ديبايت – الحلقة الرابعة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

قبل تعيين العماد قهوجي قائداً للجيش في 29 ايلول 2008، كان قائداً للواء الثاني الذي ينتشر في منطقة عكار والمنية، وينتشر من فوجي سريتان إحداها في عكار، ثكنة عندقت، والأخرى في معسكر عرمان إحتياط القوى المنتشرة في طرابلس.

التعيين كان نهار الجمعة على ما أعتقد، وحفل التسلّم والتسليم في اليرزة بينه وبين اللواء شوقي المصري الذي كُلّف قيادة الجيش كان نهار الإثنين. الأحد، غداة التعيين، حصل إشتباك بين مجموعتين مسلّحتين في قرية “الشيخ لار” في عكار، إحداهما تتبعان تتبعان للنائب خالد الضاهر والأخرى موالية للنظام السوري، سبب الإشتباك كان الخلاف حول ملكية مسجد القرية، لكن الأسباب الحقيقية هي مذهبية بدون شك، لذلك فإن الإشتباك على خلفية مذهبية يمكن أن ينتشر كالنار في الهشيم، لذلك يقتضي التدخّل بسرعة وقوة منعاً لإمتداد النار المذهبية غلى مناطق أخرى.

أُعطي الأمر للسرية المتمركزة في عندقت بالتدخّل.

في طريقي إلى عكار تلقيت إتصالاً من القائد الجديد للجيش:
“جورج، بدّي تحسم الوضع بسرعا وتصرّف بقوي وحزم”
“ما يهمّك سيدنا.. أنا رح أوصل، ورح دخّل سرية عرمان كمان”

ناديت آمر السرية الثالثة الرائد جان نهرا:
“ممنوع ترمي بالبندقيي، كل طلقا عليك بتردّ عليها بال 12،7 وبالآر بي جي، وممنوع يبقى مسلّحين بالشوارع”

وهكذا كان، حُسم الوضع الميداني بسرعة، قُتل أحد المسلحين وأوقف البعض الآخر من الجهتين المتقاتلتين.

اذكر أنه في اثناء تقديم التهاني للقائد الجديد على رأس وفد من ضباط الفوج، قال:
“المجوقل خلاني فوت ع الوزارا مرفوع الرأس”

طلبت موعداً للقاء العماد قائد الجيش.
“سيدي، أنا عندي مشروع لتدريب وتجهيز الفوج ع خمس سنين، بكمّل فيه ولاّ بدّك تجيب حدا تاني مطرحي؟”
“انت ضابط ممتاز وبتبقى مطرحك، كفّي شغلك”
سيدنا، ما في إقبال ع التطوع بالجيش، والشبيبي بتتأثر بالعنفوان ومظاهر القوّي، خلينا نعمل عروضات عسكريي بالمدارس والجامعات ت نجذب الشباب للجيش” وأخبرته عن العرض الذي اقامه المغاوير في القبيات عندما كنت يافعاً، وكيف تأثرت به إلى اليوم.
“أوكي موافق.. بلّش”

في موازاة التدريب التخصّصي والإحترافي لوحدات الفوج، كنت أعمل على رفع نسبة جهوزية الآليات العسكرية والسلاح والعتاد بالإضافة إلى بناء منشآت جديدة لعسكريي الفوج. لكن ضعف الموازنة المخصّصة للإنشاءآت وتجهيز الآليات دفعني إلى التفتيش عن مصدر آخر.

الثكنة كانت في الماضي ثكنة لميليشيا القوات اللبنانية، ولا يزال فيها بعض الآليات المجنزرة والمدولية بالإضافي إلى صفائح معدنية وصناديق شاحنات وآليات عسكرية، الخلاصة: فكّرت ببيع هذه الآليات لبائعي الخردة، قدّرت أوزانها، وتفاوضت مع البائع، ونظّمت طلباً بهذا الخصوص إلى قيادة الجيش شارحاً عدم إمكان الإستفادة من الآليات القديمة والتي ليست “على القيود” والجدوى الإقتصادية من بيعها، وكنت قد مهّدت للطلب بمناقشته مع أركان الحيش للتجهيز ومديرية المخابرات وطبعاً أخذ الموافقة الشفهية من قائد الجيش. وافقت القيادة، وبيعت “الخردة” بثمن عال مكّنني من تجهيز الآليات كافة.

إبتدأ تعريف الشباب في المدارس والمعاهد والجامعات بالجيش وبالفوج المجوقل تحديداً: عروض عسكرية منها: الزحف على الحبال، القتال وجهاً لوجه، الهبوط بالحبال من إرتفاعات شاهقة، وكان يسبق العروض دائماً محاضرات لتعريف الشباب بالجيش وشرح معركة نهر البارد.. التجاوب كان ممتازاً، الإقبال فاق المتوقّع والمدارس اصبحت تتسابق في طلب إجراء العروض العسكرية في حرمها.

كذلك، وفي سابقة من نوعها، فُتحت أبواب الثكنة للمواطنين: الأندية، الجمعيات، طلاب المدارس والجامعات، فرق الكشافة، أتو من مختلف المناطق لزيارة “المجوقل”، تعرّفوا على الثكنة ومنشآتها، حضروا مراسم تكريم العلم وإحتفلات تخريج الدورات، عاينوا التدريب عن قرب، شاركوا بالهبوط على الحبال وكانوا يتسابقون لركب الملالات وآليات الهامفي وأخذ الصور التذكارية مع العسكريين، واحياناً كثيرة، كانوا يتناولون الطعام مع العسكريين في مطبخ الفوج.

أجبت أحد الأصدقاء عن سؤآله عن سبب الإنفتاح على المجتمع المدني وفتح ابواب الثكنة للمواطنين:
“هيدا العسكري اللي واقف حرس هونيك، أنا مسلّمو رقبتي.. ما بيحقّ ل مرتو وولادو و أهلو يجو يشوفو وين بينام وكيف بيتدرّب وشو بياكل وبيشرب وكيف بيعيش ؟ إزا ما بدّي أمّن ل أهلو كيف بدّي أمّنلو ألو هوي؟ ”

أكثر من 23 عرض في الجامعات وحوالي 115 عرض في المدارس والقرى والمدن من “رميش” في أقصى الجنوب حتى “وادي خالد” على الحدود الشمالية، تعرّف الناس على جيشهم عن كثب، عاشوا مع جنوده فترات الحماس والعنفوان، أحسّوا بالمخاطرة التي يعيشها عناصر النخبة، عاينوا الحياة العسكرية التي كانت في السابق “TABOO”، شاركوا العسكر طعامهم ومنهم من بات في الخيم في محيط الثكنة، وكانت الأصداء في كلّ مرة ممتازة، حتى أن أغلب الأماكن التي نفّذنا فيها عروضاً عسكرية أو الوفود التي زارت الثكنة، كان المسؤولون في الغالب يتّصلون للمعايدة في المناسبات وللإطمئنان عند سماع أخبار المعارك ويسألون: “هل إشترك عتاصر الفوج بالمهمة، وهل كلهم سالمون ؟ ”

الأم ريتا روحانا رئيسة دير راهبات الصليب في حراجل تتصل عند سماع اي خبر عن إشتباك أو معركة في أي منطقة:
” حدا من ولادنا بو شي؟ كلن مناح؟”

أصبنا الهدف..
التقرّب قدر الإمكان من المجتمع المدني وإشراكه في دعم الجيش معنوياً ومادياً، فهل من يًصدّق أن ثلاثة ابنية تستوعب ثلاث سريا قتال، قوام السرية 100 عنصر، مع مخازنها وآلياتها وبنيتها التحتية، قد أنشأت بفضل تبرّعات المواطنين الميسورين ؟ كذلك مبنى عناصر الشرطة ومستوصف الفوج ( الذي أكمل إنشاؤه بعد تشكيلي من الفوج ). وهنا لا يسعني إلا أن اشكر السيد ميلاد جبّور الذي دفع تكاليف تعبيد ( تزفيت ) الطريق المؤدية إلى الثكنة من دير الأرمن حتى مدخل الثكنة ( حوالي 6000 متر مربّع )، والسيد طوني عطالله الذي أعطى من غير حساب، وشركة API وجامعة الروح القدس الكسليك، والسادة: جوزيف قزيلي، غاري شكرجيان الذي رافق الفوج من نهر البارد وحتى اليوم، يجود بماله، ليحقّق عتاداً أو تجهيزات ” للعسكر اللي رافع راسنا ” ” جورج خليل ووالده، الأب عمر الهاشم من إذاعة صوت المحبّة، السادة سليم عبسي، أنطونيو شلهوب، ميشال عكاوي، آسيا رزق، وكثر ممن لا تسعفني الذاكرة باسمائهم، فعذراً منهم، والشكر، كل الشكر لهم.

لا بد من ذكر صديقين عزيزين ساعدا الفوج في كل خطوة بإتجاه الإحتراف:
الأستاذ ميشال الأسطا الذي رافق وحدات الفوج في كل مرحلة بدءاً من نهر البارد حيث كان يصوّر الجبهة من الخطوط الأمامية ومن الطوافة، ثم واكب الفوج في كل نشاطاته التدريبية والإحتفالية فكان يلتقط الصور الرائعة، صور محترف محبّ، ينسخها على القرص المدمج، ثم يعطينا إياه.. شاكراً.

والصحافية الآنسة شانتال داغر التي ألّفت كتاباً عن معركة نهر البارد وواكبت الفوج في كل مرحلة، إذ كانت تترجم أوامر العمليات وكتيّب الفوج إلى اللغة الإنكليزية لتوزيعها على الملحقين العسكريين في أثناء المناورات التدريبية، وتعتبر نفسها دائماً المدافعة عن الجيش في الصحافة والإعلام، فالشكر لها أيضاً، كل الشكر.

لا زلت أحتفظ بلائحة كبيرة من المواطنين الذين تبرّعوا للفوج بمساعدات مادية وعينية مع ذكر كل ما قدّموه للفوج، هذا هو الشعب اللبناني العظيم…أنا واثق أنه لا يوجد شعب في العالم يحبّ جيشه، كما يحب شعبنا جيشه الوطني، وهذا بحدّ ذاته فخر للجيش، وقوة مضافة تشكل خلفية صلبة له في أوقات الشدّة.

ليبانون ديبايت

2016 – أيار – 12

اترك رد