ليبانون ديبايت – الحلقة الثالثة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

ليبانون ديبايت – الحلقة الثالثة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

لم أصغِ إلا لصوت الضمير، ولم يحرّكني شعور طائفي أو مذهبي، أو مصلحة شخصية، فقط مناقبيتي العسكرية وولائي للبزّة التي أرتديها، ومعرفتي بالواقع المذهبي الطائفي للمنطقة وتاريخها الدموي إبّان الحرب. لا أستطيع أن أرى فريقين لبنانيين يتقاتلان دون أن أمنعمها أو افصل بينهما، أو على الأقل أحاول ذلك إذا لم يكن بمقدوري .. كالذي يرى شقيقين من عائلته يتضاربان ويهرق كل منهما دم الآخر .. ولا يتحرّك لإيقاف قتال الأخوة ..
يقتضي عمل أي شيء لوقف هذه الحرب المدمّرة.

سريتان إلى الشويفات بقيادة العقيد أمين أبو مجاهد، يعاونه النقيب ربيع كحيل .
سرية تتمركز في كفرشيما وبسابا لمنع إنتقال المسلّحين من وإلى الشويفات .
سريتان تفصلان بين المعروفية وعيتات وبين القماطية وسوق الغرب ..
سرية إحتياط في كفرشيما ..

المهمة : الفصل بين المتقاتلين، ثم إبعاد كل فريق إلى داخل الأحياء التي خرج منها تمهيداً لوقف القتال وفرض الأمن ..
في الشويفات كان القتلى لا يزالون في الشوارع وإطلاق النار المتبادل بين فريقي النزاع : حزب الله والحزب الإشتراكي ..
في الليل تصعب رؤية الواقع بوضوح خصوصاً لعدم توافر أجهزة رؤية ليلية، حاول المسلّحون منع وحدات الفوج من التقدّم والفصل بين المتقاتلين إلا أن الأمر كان واضحاً: ” كل رصاصة تُطلق بإتجاهنا سيُعامل مُطلقها كأنه عدو..”
بصعوبة بالغة، تمّ الفصل بين القوتين بسبب شراسة القتال من جهة، وسوء الرؤية التي تعيق حركة القوى من جهة أخرى.
في المعروفية وسوق الغرب، الفصل بين المتحاربين كان اسهل، فهناك مساحة غير مأهولة بين المعروفية وعيتات من جهة والقماطية من جهة أخرى، إنتشرت الوحدات دون صعوبة تّذكر.

النتيجة: سقوط ضحايا من الفريقين تعدّى عددهم العشرات، والجرحى بأعداد كبيرة، بالإضافة إلى الأضرار بالممتلكات العامة والخاصّة، والأهم كان الهوّة السحيقة التي خلّفتها هذه الأحداث بين الفريقين والتي لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم.

في البقاع لم تكن الحال بأفضل مما هي عليه في بيروت والجبل، تنقّلت الإشتباكات بين سعدنايل وتعلبايا وحيث يتواجد أنصار تيار المستقبل وحركة أمل وحزب الله، ولم تستطع القوى العسكرية من لجم هذه الإشتباكات إلا بصعوبة وذلك لكثرتها وتوزّعها جغرافيا على مناطق شاسعة ..
في الشمال تأزّم الوضع الأمني، ودارت الإشتباكات بين المسلّحين في جبل محسن ومسلّحي باب التبّانة وإنتقلت الإشتباكات إلى عكار بين أنصار النائب خالد الضاهر وعناصر الحزب السوري القومي الإجتماعي أدّت إلى سقوط عدة قتلى من صفوف الحزب.

الخلاصة: حوادث 7 ايار 2008 عمّقت الإنقسام السياسي والشرخ المذهبي بين اللبنانيين وآثارها التدميرية بقيت حتى الساعة، وتفاقمت بسبب الأزمة السورية التي بدأت في مطلع العام 2011 ولا تزال حتى كتابة هذه السطور، وهي مرشحة، للأسف، للإستمرار والتفاقم، مما يزيد في حدّة الإنقسام العمودي بين اللبنانيين بين مؤيّد للنظام السوري، ومؤيد للمعارضة السورية. ولو بقي التأييد والشجب في مجال التعبير لما كنا نشعر بخطورة هذه الحرب في سوريا، لكن، وللأسف، يتقاتل اللبنانيون على الأرض السورية دعماً لجيش النظام هناك، ودعما للمعارضة المسلّحة أيضاً …..

إن الجيش، وبغياب القرار الحاسم لقيادته، جعل بعض الوحدات تقصّر في إداء مهامها، في فرض الأمن بالقوة ومنع التقاتل الداخلي الذي هو من أهم واجبات الجيش في كل زمان ومكان.

حتى لو إتُّخذ هذا القرار، فإن التداخل الديموغرافي لأنصار الفريقين على الجغرافيا الوطنية، يجعل من الصعب جدّاً فرض الأمن بالقوة دون وجود القرار السياسي بذلك . فهل تكفي وحدات الجيش لمنع القتال إذا إندلع بين مكونات الشعب اللبناني في كل المناطق ؟؟
حوادث 7 ايار 2008 أدّت إلى ما سُمّي آنذاك بإتفاق الدوحة، وإنتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وبعد أربعة اشهر، تعيين قائد اللواء الثاني العميد الركن جان قهوجي قائداً جديداً للجيش (23 يلول ) .


ليبانون ديبايت

2016 – أيار – 10

 

اترك رد