ليبانون ديبايت – الحلقة الثانية والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

ليبانون ديبايت – الحلقة الثانية والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر


تمّ إستلام مكاتب تيار المستقبل وطمأنت السكّان عندما تجوّلنا سيراً، أركان الفوج وأنا، في الأحياء والشوارع وتعمّدنا الكلام المباشر مع الأهالي لإراحتهم والتأكيد لهم “بأنو ما حدا بيقدر يدقّ فيهن”.

الوجوه واجمة، حذرة وقلقة، وهذا طبيعي، لكن التواصل المباشر مع الناس، يوجد الثقة بنا بأننا لن نتركهم عرضة لنيران الغير. موكب تشييع أحد ضحايا القتال من سكان المنطقة لم يمرّ على خير إذ عمد أحد أنصار حركة “أمل” بسبب أفضلية المرور، على إطلاق النار على المشيّعين، أدّى إلى قتل إثنين من المواطنين المشيّعين. وهذا ما ألهب صدور الأهالي وغضبهم، فهاجت الجموع وركض كل إلى منزله لحمل السلاح والإنتقام، ولم تهدأ إلا بعد القبض على الجاني.

يصعب علي جدّاً أن أرى فريقاً لبنانياً “مكسورا” مهزوماً ومحبطاً، ولو إختلفت معه في الرأي والسياسة، فكيف إذا أتى الإحباط والقهر على يد فريق لبناني آخر؟ أما كان بالإمكان تحاشي تلك المعارك بين ابناء الوطن الواحد والمدينة الواحدة والحي والشارع الواحد.

أنا ضدّ ما جرى في 7 ايار، لكنني بالطبع ضدّ ما تقرر في 5 ايار، حين “سهرت للصبح” الحكومة المطعون بشرعيتها لإتخاذ قرار مصادرة شبكة الإتصالات الهاتفية التابعة للمقاومة، هكذا قرار لا يناقش بعد أقل من سنتين على عدوان تموز حيث، لولا تلك الشبكة لما حافظت المقاومة على القيادة والسيطرة التي هي العامل الأساس في إدارة القتال، ولكان العدو الإسرائيلي تمكّن من إحراز النصر على لبنان.

الأمور الوطنية الكبرى لا يُتّخذ القرار بشأنها خلسةً، وبخلفيات مذهبية طائفية وسياسية ضيّقة.

لكن القرارت الحمقاء التي إتخذتها الحكومة كان يجب ألا تواجه بالدم. والقتل والترهيب، ليس فقط في بيروت وللأسف، بل في كل المناطق المختلطة مذهبياً، إمتدّت المعارك لتشمل الشويفات وسعدنايل وتعلبايا في البقاع وجبل محسن وباب التبانة في طرابلس كذلك في حلبا حيث حصلت مجزرة بحق القوميين السوريين، لكن المعارك الأعنف كانت في الشويفات، إذ كانت مجموعات مقاتلة من حزب ألله قد دخلت مبانٍ مشرفة على البلدة، وأصبحت تهدّد مراكز الحزب الإشتراكي، وقد سقط ضحايا كثيرون من الطرفين، والوضع مرشح للتفاقم والتعقيد لعدم وجود رادع.

طُلب إلي إلحاق سرية من الفوج بالشرطة العسكرية التي تنتشر في الشويفات ومحيطها، سألت لماذا ؟ فأجابني نائب رئيس الأركان للعمليات العميد الركن محمد قعفراني “يا الله بعتها في هجوم ع الشويفات.”

من لهجته المتوتّرة أدركت خطورة الوضع، تريّثت في إرسال السرية وتوجّهت إلى غرفة عمليات القيادة: ضياع وتخبّط في إتخاذ القرار، في الشرطة العسكرية الحال ليس بأفضل. سألت عن الوضع الميداني في الشويفات: وحدات من الدفاع الشعبي ثم من القوات الخاصة التابعة لحزب الله تهاجم مراكز الحزب التقدّمي الإشتراكي في الشويفات، خسائر جسيمة، والقتال يبدو أنه مستمرّ. والوضع بحاجة إلى قوّة رادعة للفصل بين المتقاتلين ولإيقاف المجزرة.

فكرت ملياً: الشويفات، وآسف لهذا التعبير، منطقة بأغلبيتها من الدروز وإمتدادها حتى سوق الغرب قرى بأغلبيتها الساحقة درزية، يحيط بها من الغرب صحراء الشويفات والعمروسية ذات الأغلبية الشيعية الموالية لحزب الله وحركة أمل، ومن الشمال كفرشيما وبسابا والحدث البلدات المسيحية، ويتقاسم ولاء سكانها التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، هذه البلدات كانت خلال الحرب المسمّاة أهلية خطوط تماس وصدام دموي مع محيطها الدرزي في الشويفات، ومع محيطها الشيعي أيضاً في الليلكي والعمروسية.

أدركت أن ترك هذه المنطقة بحساسيتها الطائفية والمنذهبية، وتاريخها الدموي على ما هي عليه، سيؤدي إلى مجازر حقيقية بين الشيعة والدروز ( آسف مرة أخرى على هذه التعابير لكنها تعبّر وللأسف عن واقع الحال ) وسيؤدي أيضاً إلى إستغلال بعض الأحزاب للواقع الميداني وبالتالي جرّ الأهالي إلى حرب طائفية لا يدرك أحد عواقبها. وإذا الحقت سرية قتال من الفوج بالشرطة العسكرية، فإن القتال لن يتوقّف.

في قيادة الجيش اليرزة، مكتب العميد قعفراني:
“بدل ما تبعت سريي من الفوج ع الشويفات وما بتقدر تعمل شي لوحدا، باخد الفوج كلو وبوقّف المعركي و ع مسؤوليتي هـ الحكي.”
“ما معنا وقت ت يجي فوجك من غوسطا بيكون اللي ضرب ضرب واللي هرب هرب.”
نعم، نائب رئيس الأركان للعمليات لم يكن يعرف أن فوجي ينتشر منذ الرابع من ايار ( عشرة ايام ) في بيروت.
“من غوسطا ؟؟؟؟ صار لي عشر تيام بالشارع ببيروت وبتقلّي أجي من غوسطا ؟”
حُرّر الفوج من بيروت بإستبداله بلواء مشاة (على ما أعتقد كان اللواء الحادي عشر )، وتجمّعت آليات الفوج أمام تمثال فخر الدين مدخل وزارة الدفاع.
الزمان: 11/5/2007
الساعة: 7:30 ليلاً ( لم أعد أدري إذا كان التوقيت دقيقاً لكن الليل كان قد أرخى سواده )

الفصل بين قوى متقاتلة ليلاً هو على مستوى عال من الخطورة، خصوصاً لتداخل الأبنية ومناطق السيطرة، ولعدم توافر أجهزة رؤية ليلية مع عناصر الفوج، لكن الوقت يعمل لصالح الفتنة، ولا مجال للتريّث.

قبل تحرّك أليات الفوج بإتجاه الشويفات، تلقيت إتصالاً من أحد المسؤولين السياسيين، من هاتف صديق مشترك، يطلب تأجيل تدخّل الفوج في الشويفات إلى الغد، لماذا ؟

ليبانون ديبايت

2016 – أيار – 05

اترك رد