ليبانون ديبايت – الحلقة الواحدة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

ليبانون ديبايت – الحلقة الواحدة والثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

لا تزال حوادث تلك المرحلة ماثلةً أمام ناظري حتى الآن.

في غياب رئيس للجمهورية، ووجود حكومة مطعون بشرعيتها، إتخذت هذه الحكومة قرارين يقضي أحدهما بوضع اليد على شبكة الإتصالات الهاتفية التابعة لحزب اله، ونقل العميد وفيق شقير من مركزه في رئاسة جهاز أمن المطار.

قرّر الإتحاد العمالي العام الإضراب في 6 أيار 2008، عيد العمل، في أجواء مشحونة سبقها الشحن المذهبي والتحريض في وسائل الإعلام وعلى المنابر الدينية.

إعتباراً من 4 أيار، نُشر الفوج المجوقل بين المتحف و “الكولا” في بيروت للفصل بين أنصار تيار المستقبل المتواجدين بشكل أساسي في”الطريق الجديدة” وأنصار حركة امل وحزب الله المتواجدين في منطقة “بربور” ومحيطها.

قُطعت طريق المطار ذهاباً وإياباً بالسواتر الترابية وشُلّت حركة السفر بين لبنان والعالم، كما قُطعت طرقات عدّة في مختلف المناطق اللبنانية، وتمّت مهاجمة مراكز تيار المستقبل في بيروت وسقطت خلال ساعات معدودة، إلا في الطريق الجديدة حيث يتواجد الفوج المجوقل.

ليل 5- 6 أيار، ووحدات الفوج تنتشر على كورنيش المزرعة تبيت في الملالات والآليات المدولبة بين المتحف و”الكولا”. توضّح أمامي المشهد الدموي المتوقّع:
إتصلت بمكتب قائد الجيش، فلم أُوفّق إلى الكلام معه، مدير العمليات العميد “نبيل قرعة” الذي حلّ مكان اللواء الشهيد فرنسوا الحاج، مسافر إلى الإمارات العربية المتحدة ولم يتمكّن من العودة بسبب شلّ حركة الطيران. بصراحة “ضاعت الطاسة”.

“لازم الجنرال يمنع التجوّل بكرا لأنو شايف قدّامي بحر دم ببيروت”

“بطّيخ يكسّر بعضو” أجابني أحد ضباط القيادة الذي أتحفّظ عن ذكر إسمه.
نعم، هكذا كان الجواب: “بطّيخ يكسّر بعضو”، وكأن ما أتوقّعه حاصلاً من إهراق الدم سيكون في “أنغولا” أو بلاد “الواق واق”.

جمعت أركان الفوج، مفترشين “الكرتون” قرب جامع “عبد الناصر” على كورنيش المزرعة وكانت تُمطر في أيار، وسأذكر طوائفهم ومذاهبهم ( مع أن هذا ليس من شيمي ) للدلالة على أن المناقبية العسكرية التي تحلّى بها ضبّاط الفوج كانت اقوى وأمتن من محاولات التفريق والشرذمة وستبقى:
مساعدي ضابط من رفاق الدورة العقيد أمين أبو مجاهد: درزي
رئيس القسم الثاني وضابط الأمن: العقيد عبد السلام الحاج: سنّي
رئيس القسم الثالث ( العمليات والتدريب ) العقيد الركن عبد المنعم مكّي: شيعي.
“يا شباب، أنا شايف الحرب قدّامي، واللي بدّو يصير أكبر منّا كلنا سوا، بس نحنا عسكر ما فينا ننحاز ل حدا، لا هودي ولا هوديك. نحنا ع كتافنا في 42 شهيد من نهر البارد، ما منقدر نزلّ فيهن ونتفرّج ع الناس عم تتقتّل وما نعمل شي”
طبعاً، كل الضبّاط كانوا بالمناقبية والإلتزام ذاته.

ولإراحة الضمير، يقتضي وضع القيادة بالصورة الميدانية المتوقّعة.

ليل 5-6 أيار إتصلت برئيس الأركان اللواء شوقي المصري على الرقم الرباعي الخاصّ به: 2001، أجاب: ” عندي إجتماع بمجلس الوزرا، بس خلّص بحكيك.”
إتصلت لاحقاً فكان الخطّ مقفلاً.

عندها أوكلت ضابطين بنقل رسالة شفهية إلى كلا الطرفين: حركة أمل وتيار المستقبل، مبلغاً الموقف:
“ممنوع حدا يقطع الطريق من هون لهونيك وبالعكس، واللي مش مصدّق يجرّب”

وللدلالة على عمق الإنقسام المذهبي أروي حادثة بسيطة:
متظاهرون من منطقة بربور موالين لحركة “أمل” وفي المقابل متظاهرين من طريق الجديدة موالين لتيار المستقبل، كل مجموعة تشتم الأخرى، وتشتم زعيمها وقادتها بالكلام البذيء، وتتوعّدها بالويل والثبور، وسائل الإعلام تغطّي الحدث بتفاصيله وتنقله مباشرة، ولتفادي الصدام عمد آمر السرية النقيب “ربيع كحيل” إلى تفريق المجوعتين بدءاً من المجموعة الموالية لحركة أمل، فتصلّب المتظاهرون ورفضوا:
“قبل ما تتعاطى معنا روح فرّق هوديك”.. وإنضمّ إليهم عناصر جدد، فألقى الضابط قنبلة مسيلة للدموع لتفريق الحشود، فهاجت الجموع متّهمة إياه بالتحيّز كونه لم يفعل الأمر ذاته مع مجموعة تيار المستقبل في الجهة المقابلة من الشارع، فما كان منه إلا أن ألقى قنبلة صوتية وأخرى مسيلة للدموع بإتجاه مجموعة تيار المستقبل، وبدقائق معدودة هدأت المجموعتان.

ليل 6 – 7 أيار إشتعلت بيروت فجأة، هوجمت مراكز تيار المستقبل في وقت واحد في رأس النبع وبربور والمحيط، لكن لم يجروء أحد على عبور كورنيش المزرعة بالإتجاهين.

قبيل الفجر، وكنت مفترشاً الأرض على الطريق مع أركان الفوج، جاءني شخصان يعرّف أحدهما عن نفسه بأنه مسؤول تيار المستقبل في الطريق الجديدة طالباً تسليم مراكزه للجيش.

“ليش، مين قرّب صوبك”
“نحنا خايفين.. بدنا تقعدو بمراكزنا”
“ما تخافو نحنا هون ما حدا بيجي صوبكن وإزا مصرّ منقعد بمراكزكن”
“عطيني نصّ ساعا بدي أحكي العميد عجوز”
“العميد محمّد العجوز” أجاب: نعم

تعجّبت من زجّ هذا الإسم حيث تبيّن لي لاحقاً أنه تسلّم إدارة شركة أمن وحماية ” SECURE PLUS ” والتي تتولّى حماية مراكز تيار المستقبل.

بعد مضي نصف ساعة رجع الشخص المسؤول في تيار المستقبل:
“شو صار معك ؟ ”
“قال العميد أنو بدو يراجع العقيد “بلعة ” قبل ما ياخد القرار”

العقيد “غسان بلعة ” مساعد مدير المخابرات، تعجّبت أكثر لهذا لكلام، إذ ما دخل مساعد مدير المخابرات في الجيش بعمل ضابط متقاعد، يعلوه رتبة، يدير شركة أمن وحماية لصالح تيار سياسي ؟
“شوفو شو بدّكن تعملو وتعا خبّرني، بس بكل الأحوال ما حدا بيقرّب صوبكن طالما نحنا هون”

ليبانون ديبايت

2016 – أيار – 02

اترك رد