ليبانون ديبايت – الحلقة الثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

ليبانون ديبايت – الحلقة الثلاثون من مذكرات العميد الركن المتقاعد جورج نادر

11/12/2007، عند الساعة 7:30 مساءً إتصلت بالعميد الحاج:
“سيدنا، قالولي بكرا في إجتماع الساعة 7:00 الصبح، قولك في شي ت هيك مبكّرين؟”
“ما على علمي، اليوم كنت بالجنوب مع القائد وتعبان بدي نام، بكرا قبل ما تفوت ع الإجتماع طلّ صوبي أنا بكون بالمكتب”.

12/12/2007، الساعة 6:40،وعند دخولي مبنى وزارة الدفاع سمعت صوت إنفجار ضخم إهتزّ له مبنى القيادة، نظرت فإذا الدخان يتصاعد من جهة بعبدا.

شقيقي البكر عبدالله يقطن في “وادي شحرور” وشقيقي “نمر” يقطن في كفرشيما كذلك أهل زوجتي.. لم “ينشغل” بالي على اي منهم، بل إتصلت على الرقم “الرباعي” (الرقم في الشبكة العسكرية المقفلة) 2333 الخاص بمدير العمليات: الخط مقفل
عاودت الإتصال مراراً: مقفل
إتصلت على الخط المدني الخاص به: 03318971: أيضاً مقفل.

لم يقفل خطّه مرة واحدة، فماذا إذن؟

خلال الإجتماع مع قائد الجيش العماد ميشال سليمان (كنا خمسة أو ستة قادة وحدات فقط) وصل الخبر المشؤوم: إغتيل العميد الحاج.

لم أعرف كيف وصلت إلى بعبدا، الركام والدمار ورائحة الموت تنبعث من كل زاوية، الدخان يملأ المكان، نزلت إلى تحت جسر بعبدا غير عابىء بالشريط الملون المانع للدخول، والموضوع من قبل المحقّقين لعدم العبث بمسرح الجريمة، ويا لهول المنظر: EPAULETTE العميد الحاج، وقسم من فروة الرأس وثياب ممزّقة.. وأشلاء..

إغتالوا فرنسوا الحاج، قتلوا الضابط الشهم الشجاع، المثقّف، الولاؤه للعظم، الملتزم بجيشه حتى الموت.
قتلوا فينا أمل الشرفاء بجيش قوي ووطن يحلم فيه أبناؤنا.
قُتل الضابط المعلّم، القائد والأب الحنون، الذي لم تنحنِ هامته لـ “إسرائيل” في أوج جبروتها وغطرستها.
رحل فرنسوا الحاج، ورحل معه جزءَ مني، وذهب معه الحلم الجميل.

غياب اللواء الحاج عن مديرية العمليات أحدث فراغاً هائلاً في القيادة من الصعب ملؤه بضابط آخر، المرجعية العملانية لقادة الوحدات الذي يجد الحل دائماً لأي معضلة تواجههم.

حوادث شباط 2008 في مار مخايل، والمظاهرات التي قامت من قبل الأهالي وقتل أحد المتظاهرين “بطريق الخطأ” من رفاقه، ثم مقتل ستة آخرين بالرصاص إدّعى البعض أنه من جانب قوات الجيش (فوج التدخّل الخامس)، كل هذا أدّى إلى زجّ ثلاثة ضباط في السجن وعدد كبير من العسكريين من “مطلقي النار” ولمدّة أكثر من ثلاثة أشهر مع أنه ثبُت، بعد تحليل البنادق العسكرية التي اُطلقت النار منها أن الرصاصات التي إستقرّت في أجساد الضحايا لم تُطلق من تلك البنادق، مما يُثبت أن هناك من أطلق النار من “خلف” قوات الجيش أو من “خلف” المتظاهرين، وتسبّب في وقوع الضحايا من المدنيين.

ومع ذلك، أودع العسكريون السجن ولم تفلح كل الوساطات والتدخّلات لإطلاقهم.

هل هذا تحذير للقوات العملانية بألا تستخدم السلاح ؟؟

لا زلت أذكر حوادث أيلول 1993 في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث قُتل تسعة مواطنين بينهم نساء، وذلك خلال تفريق الجيش لمتظاهرين، وإلتباس الأمر على الضابط آمر القوى، وإطلاق النار من قبل العسكريين وقتل المدنيين التسعة. يومها لم يّعاقب أحد، ولم يُذكر إسم أحد من الضباط أو العسكريين، ولم تنشر أسماؤهم وصورهم في وسائل الإعلام، ولم يُزجّ أحد في السجن، بالرغم من ثبوت إطلاق النار من بنادق العسكريين ووقوع ضحايا أبرياء.

لست في “تحليل” دماء الضحايا، حاشا، فالمسؤولية تُحدّدها التحقيقات، ويجب معاقبة الفاعلين، لكن مع الحفاظ على معنويات الجيش وهيبته، لكنني أُقارن بين إجراءآت إتُخذت في حالتين مماثلتين للدلالة على التراجع في الإداء و”كشف” الوحدات العملانية اثناء تأدية مهامها، وبالتالي برأيي، أن أحداث مار مخايل في شباط 2008 أدّت إلى إحجام بعض وحدات الجيش عن القيام بمهامها في حوادث 7 أيار من العام ذاته.

ليبانون ديبايت

2016 – نيسان – 28

اترك رد